HOT Information

التضخم العالمي

يأخذ موضوع ارتفاع التضخم العالمي حيزًا كبيرًا من النقاشات السياسية والاقتصادية حول العالم حاليًا، لدرجة أن ما كان يمثل مصدر قلق متخصص في بداية العام الجاري أصبح الآن في قلب السياسة.

ونقل تحليل مطول لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية بعنوان “التضخم: هل علينا أن نقلق الآن” عن راندي كروسزنر، نائب عميد كلية شيكاغو بوث للأعمال والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي، قوله إنه “للمرة الأولى منذ 30 عامًا، أصبح التضخم القضية السياسية البارزة”.

وبينما يواجه محافظو البنوك المركزية انتقادات بأنهم فقدوا السيطرة، يلقى اللوم على السياسيين في أزمة تكلفة المعيشة، وتقف الأسر حول العالم حاليًا في مأزق، حيث يتعين عليها التوفيق بين ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والطاقة والإسكان والأسعار العامة في ظل بيئة اقتصادية لا تزال غير مواتية.

وتقول جانيت هنري، كبيرة الاقتصاديين العالميين في بنك HSBC، إن أجزاءً قليلة من العالم أصبحت الآن خالية من القلق بشأن التضخم. وتضيف: “التضخم العالمي هو نتيجة لانتعاش قوي غير متوقع في الطلب العالمي على خلفية العرض المقيد”.

يبدو هذا التكهن مقبول عالميًا تقريبًا، لكن هنري تقول إن تشخيص زيادة الطلب في عام 2021 لا يكشف ما إذا كانت الضغوط التضخمية نفسها ستستمر أو ما إذا كانت ستتلاشى، مثلما حدث في عام 2011 بعد الارتفاع العالمي في أسعار المواد الغذائية.

ويطالب الاقتصاديون-الذين يخشون من أن البنوك المركزية لا تزال تستخف بمستوى الضغوط التضخمية واستمرارها-، بسياسة أكثر تشددًا.

دائم أم مؤقت

وبحسب فاينانشيال تايمز فهذا هو المكان الذي تكمن فيه الخلافات الحقيقية ويضطر محافظو البنوك المركزية والسياسيون والاقتصاديون بشكل متزايد إلى الانحياز إلى أي جانب.

ينقسم الطرفان إلى فريقين إحداهما يقول إن ارتفاع التضخم حاليًا أمر عابر وهم “الفريق المؤقت” والفريق الثاني يقول إن ارتفاع التضخم حاليًا أمر دائم وهم “الفريق الدائم”.

وفي هذه المنطقة ترتفع الرهانات، فإذا كان صانعو السياسة يخشون خطأ أن يصبح التضخم المرتفع متأصلًا مرة أخرى في الحياة الطبيعية للناس، فإنهم سيضغطون بشدة لزيادة الإنفاق الحكومي، مما يضعف الاقتصادات العالمية عندما تخرج من أزمة كورونا، ويتسببون في خفض الدخل وتدمير الوظائف.

وإذا فشلوا في إدراك التهديد الحقيقي للتضخم المستمر، فسيضطرون إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة في وقت لاحق للقضاء على خطر استمرار التضخم مرتفعًا، تمامًا كما حدث في نهاية الستينيات مع عواقب وخيمة مماثلة.

وتسبب ارتفاع التضخم المستمر في ستينات القرن الماضي في حدوث موجة من الركود التضخمي وهو حدث اقتصادي يتميز بارتفاع التضخم (أي ارتفاع الأسعار) وركود نمو الاقتصاد (أي تراجع معدلات النمو أو انكماش الاقتصاد)، بالإضافة إلى ارتفاع مستويات البطالة.

وتشير التوقعات إلى ارتفاع توقعات متوسط التضخم في العامين الجاري والمقبل في الاقتصادات المتقدمة، ففي الولايات المتحدة، بدأ متوسط توقعات التضخم لعام 2021، التي جمعتها Consensus Economics، في الارتفاع بشكل حاد من 2% في يناير إلى 4.5% حاليًا بالنسبة للعام المقبل.

وخلال الشهر الماضي بلغ معدل التضخم في أمريكا أعلى مستوى له منذ 30 عامًا.

كما ارتفعت التوقعات بالنسبة لبقية دول مجموعة السبع باستثناء اليابان.

فريقان والسبب واحد

يقول الفريق الذي يدعم نظرية التضخم المؤقت أن هذه الارتفاعات في التضخم ستهدأ قريبًا لأنها كانت ناجمة عن اضطرابات لمرة واحدة في العرض أو عوامل خاصة ستتلاشى قريبًا، مما يجعل هذه الحلقة مجرد ضغط مؤسف ولكنه مؤقت على دخل الأسرة.

وسلطت دراسة أجراها بنك التسويات الدولية هذا الأسبوع الضوء على كيف أن “اضطرابات الإمداد التي يسببها الوباء كانت سببًا رئيسيًا للاختناقات الحالية في السلع، مما أدى إلى حدوث نقص في المكونات الرئيسية في العديد من السلع المصنعة والتسبب في نقص العمالة عندما اضطر الناس إلى العزلة نتيجة فيروس كورونا.

وبمجرد حل هذه الاختناقات، كما تقول الدراسة فإن الأسعار لن تستمر في الارتفاع بل وربما تنعكس، مما يحد من فترة التضخم.

ويقول هذا الفريق إن الارتفاع الصغير في توقعات التضخم سيكون مفيدًا على أي حال، لأن توقعات التضخم كانت منخفضة للغاية قبل انتشار الوباء.

وتعزز جيتا جوبيناث، كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، تصرفات البنوك المركزية في هذا الأمر وتقول إنها كانت محقة في توخي الحذر بشأن التعامل مع التضخم المرتفع لأننا “نريد حل مشكلة كنا نحاربها أيضًا خلال العقد الماضي، وهو معدل تضخم منخفض للغاية”.

ويؤكد محافظو البنوك المركزية الأوروبية أن أسعار الطاقة من المرجح أن تكون مرتفعة بشكل مؤقت نتيجة النقص في الغاز الطبيعي في التخزين، ونقص الرياح هذا الخريف والأحداث الجيوسياسية مثل التوتر بين روسيا وأوكرانيا الذي هدد إمدادات الغاز هذا الشتاء. وهي الأشياء الخارجة عن إرادتهم إلى حد كبير وستكون هذه بمثابة ضريبة على الدخل، مما يقلل الطلب.

ودفعت هذه الضغوط غير المتكررة كريستين لاجارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، إلى المجادلة ضد رفع أسعار الفائدة للتعامل مع التضخم.

وقالت يوم الجمعة الماضية “يجب ألا نندفع إلى تشديد سابق لأوانه عندما نواجه صدمات تضخم عابرة أو مدفوعة بالعرض”.

وعادة ما تلجأ البنوك المركزية إلى رفع سعر الفائدة عند ارتفاع التضخم في محاولة منها للسيطرة على الأسعار، لكن حتى الآن لم تلجأ أي أن من البنوك المركزية حول العالم إلى هذا الحل.

كل هذه الحجج لا يرفضها أعضاء “الفريق الدائم” ويقبلون الطبيعة المؤقتة لبعض ارتفاعات الأسعار، لكنهم يحذرون من أن العوامل المؤقتة التي تدفع الأسعار إلى الأعلى ليست القوة الوحيدة.

وبالنسبة إلى الفريق الدائم، تنبع المخاوف المتزايدة بشأن استمرار التضخم من الانتعاش الحاد في الإنفاق، والذي غالبًا ما يتأثر بحافز مالي كبير جدًا من الوباء، تمنحه الحكومات لمواطنيها.

لكن لم يتم تلبية هذا الانتعاش من خلال العرض الكافي للسلع أو العمالة، أو تشديد السياسة النقدية، التي فشلت في تخفيف الطلب.

وتقول فاينانشيال تايمز إنه بغض النظر عن اختناقات العرض، فالطلب العالمي على جميع السلع والمكونات التي يوجد بها نقص في مستويات قياسية.

ويحذر جيسون فورمان، أستاذ الاقتصاد في كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد والمستشار السابق لأوباما، من أن حجج سلسلة التوريد “مبالغ فيها إلى حد كبير”.

“كان هناك بعض التدهور في سلاسل التوريد، كما هو الحال في الرقائق الدقيقة وأشباه المواصلات، لكن معظم ما يتحدث عنه الناس مع “سلاسل التوريد” هو في الواقع زيادة هائلة في الطلب لا تؤدي إلى زيادة ضخمة في العرض مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا ما يحدث مع الشحن والخدمات اللوجستية العالمية حيث تتزايد الأحجام، ليس بالقدر الذي يرغب الناس في زيادته”، كما يقول.

مع وجود إشارات على أن بعض العمال الأكبر سنًا قد تركوا سوق العمل للأبد فيما أصبح يُعرف باسم “الاستقالة الكبيرة”، فإن هذه المستويات المرتفعة من الإنفاق تزيد من الضغوط في العديد من البلدان، في خطوات من غير المرجح أن تكون مؤقتة.

يقول بنك التسويات الدولية: “من الواضح أن اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الوباء كانت سببًا رئيسيًا للاختناقات في سلاسل التوريد”.

لكن الفريق الذي يرجح أن التضخم دائم يتهم محافظي البنوك المركزية بارتكاب خطأ سياسي كبير في الحفاظ على الموقف النقدي في اقتصاداتهم على أساس الطوارئ عندما كانت مستويات الإنفاق أعلى بكثير مما كان متوقعًا في بداية العام.

وبحسب ريكاردو ريس، الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد، فإن الاختبار الرئيسي الآن هو “مدى مصداقية وقوة التزام البنوك المركزية بخفض التضخم إلى الهدف”.

ويضيف أن التوقعات غير مؤكدة، لكن هذا لا يعفي محافظي البنوك المركزية من القرارات الصعبة التي يتعين عليهم اتخاذها، ويضيف أنه بقليل من الحظ والمهارة، لن يتم اختبار تحليلهم والتزامهم باستقرار الأسعار، لكن هذه أوقات صعبة والحظ السعيد ليس مضمونًا.

وبحسب ريس فإنه “مع بعض الحظ السيئ، ستستمر البنوك المركزية هذا العام في إعطاء الأولوية للتوظيف والاستقرار المالي على التضخم، وسيفقد الناس بالتأكيد الثقة في أنهم جادون بشأن إبقاء التضخم منخفضًا، وستبدأ مساومات الأجور بما في ذلك تعديلات تكلفة المعيشة، وسوف ننتقل إلى نظام تضخم مرتفع “.

ومن شأن هذا أن يقوض الثقة في قيمة المال، وهو أمر لم يكن على مئات الملايين من الناس في الاقتصادات المتقدمة القلق بشأنه طوال الثلاثين عامًا الماضية.

عن مصراوي

Open chat
%d bloggers like this: